وزير

78877600_551444012313599_6241351512820285440_n-1280x905.jpg

ديسمبر 5, 2019
راجت منذ سنوات موضة القراءة السريعة، وتم التسويق لها على أنها قراءة معاصرة تواكب العصر وتسارُعِه وتلائم الحياة المعاصرة بإيقاعها
وتعاقب أحداثها وتطور وسائلها.
 
وتتالت الدورات التي تعزز امتلاك مهارات القراءة السريعة، تلك القراءة التي تدربك على تجاوز علامات الترقيم والهوامش والقصص غير
المهمة وعلى سرعة المرور ببصرك على الكلمات لتدخل لاحقاً في حلبة تنافس مع ذاتك ومع الآخرين في تعداد الكلمات التي يجتازها بصرك مع
فهم وإحاطة لمضامينها حتى ولو وصلت لمئات الكلمات في الدقيقة الواحدة!
 
ودرجت العادة في الترويج للقراءة السريعة على أنها تستهدف شرائح المجتمع كافة وبالأخص المسؤولين ورجال الأعمال والقيادات الإدارية
العليا فهؤلاء من الفئات المهمة التي لا تمتلك وقتاً كافياً للقراءة والمتابعة.

 

وأذكر أنني صادفت فيما مضى من سنوات في دبي وزيراً عربياً وأهديته أحد كتبي وكان كتاباً متخصصاً في الفكر العلمي ويعتمد على نظريات
الفيزياء الفلكية، فقام بقراءته خلال احتسائي معه كوباً من الشاي، وحين أتمه في 10 دقائق نظر إلي قائلاً وبريق الانتصار في عينيه: لقد
ختمته! وأردف مبتسماً: بالتأكيد هذا بفضل خضوعي لدورة في القراءة السريعة. وقبل أن أعقب ختم حديثه: بالعموم كتابك جيد وفيه أفكار
جميلة!!
خرجت من غرفته وأنا أتساءل: كتاب مشبّع بالنظريات العلمية والأفكار والتكثيف ثم حين أسأله عن انطباعه، يكون الانطباع بفضل القراءة
السريعة: كتاب جيد وفيه أفكار جميلة! ولكنني: حين حاولت منه معرفة الأفكار التي أعجبته أو استرعت انتباهه، وجدت أنه مثل القراءة السريعة
فإن الانطباع أكثر سرعة وكأنه ومضة عابرة لا مستقر لها ولا أثر!
 
كان هذا الحديث في العام 2005 حسبما أذكر، أي قبل دخول موجة وموضة القراءة السريعة لسورية، واليوم باتت هذه الموضة لغة شوارع
التدريب حيث تجد لها روادها وطلابها.

 

وكما أنتجت الصحافة للكتابة ما يسمى “لغة ثالثة” لا هي بالفصحى العالية ولا العامية الهابطة فكذلك مكنت أهل الصحافة من مهارة التنقل
السريع بين العناوين والتفاصيل للإحاطة العاجلة بالمحتوى بأقل وقت ممكن فكانت بحد ذاتها مهارة قراءة سريعة ولكنها قراءة وظيفية إجرائية
وليست قراءة استمتاع وتدبر وإنتاج أفكار وسلوكيات.
 
خلاصة القول: إن القراءة الممتعة والذكية هي قراءة منتجة للجمال والأفكار والحياة.. هي قراءة متفاعلة مع الوجدان والضمير والتفكير ..
وهي قراءة قادرة على تغييرنا نحو الأفضل، وعلى منحنا أوقاتاً ممتعة وأفكاراً ملهمة خارج إيقاع التسارع المقيت لحياتنا والذي أفقدنا تذوق المعاني واستشعار الجمال وإنتاج الحياة بأفكار أعمق وأغنى.

 

                                                                             بقلم:  منقذ العقاد