مهنة

Depositphotos_202191192_s-2019-750x375.jpg

مارس 18, 2020
في العشر الأخير من رمضان الفائت وعلى باب أحد محلات الطعام قبل موعد الإفطار بساعة تقريبا لمحتها وأنا خارج من المحل تسأل الناس مالا.. أشفقت عليها ودنوت منها وسألتها هل هي من المدينة .. ولماذا تتسول فأجابتني بأنها أرملة وأم لأيتام أعطيتها عنوان مكتبي واسمي وطلبت منها أن تأتي في اليوم التالي.
في طريق العودة للبيت راجعت نفسي وعجبت كيف خطوت هذه الخطوة فنهجي أن أساعد هكذا أشخاص يتسولون من دون إضاءة عن شخصيتي أو مكان عملي. ولكن يبدو ساعة ما قبل الإفطار وأجواء الرحمة والبركة جعلتني أفصح عن مكان عملي علني ألتقيها وأساعدها.
في اليوم التالي قبل العصر وخلال الصيام .. نقرت الباب السكرتاريا وأخبرتني بأن سيدة ما تنتظر مقابلتي وهي على موعد معي.
خرجت ونظرت في المقاعد .. كانت سيدة متوسطة العمر تجلس وتنظر إلي بثقة .. بداية لم أعرفها لأنها أمس كانت مخفية وجهها واليوم كاشفة له.. ثم عرفتها فقلت أنت! فقالت بثقة: نعم
طلبت منها التفضل بالدخول وجلسة معها..
سردت لي قصتها.. وعندما انتهت طلبت منها العمل لدي كي أساعدها وأجعلها تتخلى عن عادة التسول وسؤال الناس.
وهنا كانت الصدمة لي.
قالت وماذا سأعمل وأنا لا أجيد سوى القراءة والكتابة؟
قلت: مستخدمة أو أي خدمات لوجستية
قالت وما الراتب؟
فقلت لها.
فنظرت نظرة ساخرة وقالت: الراتب الذي تتحدث عنه أجنيه بيومين أو ثلاثة!
فقلت لها: وسطيا كم المبلغ الذي تجنيه شهريا من التسول؟
فقالت: حسب ساعات العمل لكن وسطيا ربع مليون ليرة
فقلت: وكم ساعة تعملين؟
قالت: حوالي ٣ -٤ ساعات حسب حالتي ومزاجي والزبائن الذين أصادفهم.
فقلت لها: ولكن التسول سيشوه نفسك وسمعتك وأنا أمنحك عملا وفي مكان محترم ..
فقالت: ومن قال لك يشوهني التسول .. الآن أنا أمامك فهل خطر ببالك أنني متسولة وأنني من رأيتها في الأمس
فقلت لها وقد نظرت إليها وهي تلبس ثيابا فاخرة وبيدها جوال حديث
صراحة لا
قالت للتسول لباسه وأنا أخفي وجهي وشخصيتي
وصراحة أنا ليس لدي أيتام ولا أرملة
أنا مطلقة وأعيش وحدي ولكن الناس تتعاطف مع الأرامل وأم اليتامى
فقلت: ولكن الله يحب الناس المنتجة
فقالت وأنا منتجة اعمل وأجني مالا..
هنا لم أجد ما أقنعها به فقلت لها فكري ثم أعطني إجابتك النهائية
العمل متسولة أم العمل معي..
خرجت وهي تعدني بالإجابة قبل عيد الفطر..
وجاء عيد الفطر وعيد الأضحى ولم ترد لي جوابا
ويبدو أن الجواب واضح: طبعا التسول ..
دخل شهري لا يحلم به أكبر موظف ..
ساعات عمل حرة ومحدودة
لا ضرائب ولا مالية ولا رسوم إعلان وبلدية ونظافة..
هههههه
لذا ومن وقتها والقصة للعبرة صرت أتحرى قبل المساعدة
إذ يبدو أن التسول مهنة لدى العديد من الأشخاص
مهنة مريحة ومربحة جدا ..ولها إغواؤها وقبولها في تجمعات بشرية متناثرة هنا وهناك..
                                                                                                                                #قصة                                                                                                                                                        د.منقذ العقاد