تأملات قرآنية

77409568_1025298461143054_4846327374662336512_n-1280x905.jpg

ديسمبر 4, 20190
أتصور أن كلَّ مؤمن حي النفس حين ينوي قراءة سور أو آيات من القرآن الكريم فعليه بلا ريب أن يقرأ بعقل متيقظ وقلب متنبه للإشارات لأنه
يتلو كلاماً عظيماً صادراً عن ربِّ العالمين.
من هذا المنطلق فإنني سأعرض عليكم في كل مرة إشارات أو تنبهات وردتني وخالطت خواطر عقلي وقلبي علَّها تحمل بعض ممرات العبور إلى
النور المحيط بالكتاب الكريم.
واليوم سأمرُّ على آيات افتتاحية في سورة البقرة: (ألم* ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين…)
وقد سألت كثيراً ممن يقرؤون القرآن الكريم: ما بداية سورة البقرة؟
فكانت إجابتهم القطعية: ألم. ذلك الكتاب … إلخ الآيات الكريمة
ولكن حينما كنت أسألهم: لماذا وردت “ذلك” الكتاب وليس “هذا” الكتاب؟
فهنا تظهر الحيرة على وجوههم ويعشش الصمت على أفاوههم .. فلا أجد سبيلاً لديهم للإجابة بل أجد الاندهاش حين أذهب للمحاكمة الأولية
قائلاً لهم: أليس المنطق يقودنا إلى اتساق المعنى أكثر حين يكون: هذا الكتاب.
فأنا مثلاً حين أضع على طاولة كتاباً أمامي وسأتحدث لتلميذ حول الطاولة عن محتوى الكتاب فهل أقول له: ذلك الكتاب يتضمن معلومات عن كذا
وكذا .. وأنا أعلم أن “ذاك” اسم إشارة للبعيد، أم أقول له: هذا الكتاب يتضمن معلومات عن كذا وكذا..
علماً بأن “هـذا” اسم إشارة للقريب.
بلا شك وبلا تردد ستكون إجابة أي عليم بأمور اللغة العربية وأي مالك لعقل حكيم أن الأولى والأكثر ملاءة وموافقة للوقائع أن أقول: هذا.. لأنني
أتحدث عن قريب وأشير إلى قريب..

 

فإن كان الأمر كذلك، فلماذا إذاً وردت في القرآن الكريم افتتاحية سورة البقرة: ألم .. ذلك الكتاب لا ريب فيه..
لا بدّ من إشارة ما أراد الله تعالى أن تبلغنا .. لا بدّ من مشهد غير مرئي يستتر خلف المشهد اللفظي المرئي ..
وفارق الانتقال من سوية إلى سوية يتحقق بحرف أو بحرفين.

 

ليس لدي الحق في حصر الإجابة بما سأدلو به، بل لي الحق في طرح تساؤلاتي وتأملاتي متدبراً كلام الله العظيم ..
التساؤل ههنا مشروع للعاقل: لماذا ذلك الكتاب وليس هذا الكتاب!!

 

بتصوري الشخصي أن استخدام اسم الإشارة للبعيد فيه دلالة واسعة تتسع لكل الوجود البشري على كوكب الأرض عبر حبل الأنبياء كلهم منذ
آدم عليه السلام وختاماً بمحمد عليه الصلاة والسلام وكأن الكتاب المضمّن بالقرآن الكريم هو نفسه الكتاب منذ آدم ونوح وإبراهيم وموسى
وعيسى وانتهاء بخاتم الأنبياء محمد عليهم صلوات الله وسلامه.

 

الكتاب واحد والرسل والأنبياء متعددون والأقوام والعصور متتالية ومتعاقبة والتشاريع متنوعة ومتشعبة ولكنّ الكتاب الأم .. المنطلق الأم ..
الروح الأم واحدة .. وبالتالي الكتاب العتيق العظيم الخالد هو هو منذ البداية وحتى النهاية لتكون افتتاحية سورة البقرة: ألم .. ذلك الكتاب لا ريب
فيه .. أي لن يدخله الريبة ولا الشك ولا الخلل ولا التحريف منذ البداية وحتى النهاية وسيبقى أبداً كتاب الله وسيبقى أهله ورواده ومطبقوه هم
أهل الكتاب وحملته وحفاظه.
                                                                                                                                  بقلم: منقذ العقاد